ابن قيم الجوزية

288

الروح

القوى الجسمانية كذلك ، فجوابه أنا لا نسلم أنها تقوى على أفعال غير متناهية . وقولهم : أنها تقوى على إدراكات لا تتناهى ، والإدراكات أفعال . مقدمتان كاذبتان ، فإن إدراكاتها ولو بلغت ما بلغت فهي متناهية ، فلو كان لها بكل نفس ألف إدراك لتناهت إدراكاتها في الإدراكات والمعارف إلى حد لا يمكنها أن تزيد عليه شيئا كما قال تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ « 1 » إلى أن ينتهي العلم إلى من هو بكل شيء عليم ، فهو اللّه الذي لا إله إلا هو وحده ، وذلك من خصائصه التي لا يشاركه فيها سواه . فإن قلتم : لو انتهى إدراكها إلى حد لا يمكنها المزيد عليه لزم انقلاب الشيء من الإمكان الذاتي ، قلنا : فهذا بعينه لو صح دل على أن القوة الجسمانية تقوى على أفعال غير متناهية ، وذلك يوجب سقوط الشبهة وبطلانها . وأيضا فإن قوة التخيل والتفكر والتذكر تقوى على استحضار المخيلات والمذكرات إلى غير نهاية مع أنها عندكم قوة جسمانية . فإن قلتم : لا نسلم أنها تقوى على ما لا يتناهى قيل لكم : هكذا يقول خصومكم في القوة العاقلة سواء . وأما كذب المقدمة الثانية فإن الإدراك ليس بفعل ، فلا يلزم من تناهي فعلها تناهي إدراكها ، وقد صرحتم بأن الجوهر العقلي قابل لصورة المعلوم ، لا أنها فاعل لها ، والشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلا عندكم . وقد صرحتم بأن الأجسام يمتنع عليها أفعال لا نهاية لها ، ولا يمتنع عليها مجهولات وانفعالات لا تتناهى ، وقد أورد ابن سيناء على هذه الشبهة سؤالا فقال : أليس النفس الفلكية المباشرة لتحريك الفلك قوة جسمانية مع أن الحركات الفلكية غير متناهية ؟ وأجاب عنها : بأنها وإن كانت قوة جسمانية إلا أنها تستمد الكمال من العقل المفارق ، فلهذا السبب قدرت على أفعال غير متناهية . فنقول : فإذا كان الأمر عندك كذلك فلم لا يجوز أن يقال : النفس الناطقة تستمد الكمال والقوة من فاطرها ومنشئها الذي له القوة جميعا ، فلا جرم تقوى مع

--> ( 1 ) سورة يوسف ، الآية 76 .